|
|
 |
 |
 |
|
|
طريق الحق لطالب الحق
طريق
الحق لطالب الحق
بسم الله الرحمن
الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ومن اتّبع هداه .
يقول الله تعالى : ( إن الله يحب التوابين ) . فإذا منَّ الله تعالى بالتوبة على
عبده الذي يريد الاستقامةَ والسيرَ والسلوكَ في الحق ، عليه بعد التوبة أن يتَّبع
الشريعة المحمدية عليه الصلاة وأفضل السلام ، لأن كل عمل بدون الشريعة مقطوعٌ ، ولو
حصل لصاحبه بعض الأمور التي يتعلق بها الناس الذين لم يفهموا حقيقة الشريعة ،
كالكشف والكرامات وغير ذلك .
فإذا ثبتت معه التوبة والتمسك بالشريعة المحمدية عليه الصلاة وأفضل السلام ، عليه
أن يكون قصدُه ومرادُه الحقَّ جل وعلا ؛ وليس معنى هذا الوصولَ إلى الحق ، بل رفع
الحجاب بينه وبين الحق .
بعض الناس يقولون : حصل القرب . لا ، بل بواسطة الإيمان زال الحجاب عن القرب الذي
هو وَصْفُهُ جل وعلا ، لأن القربَ صفةُ الله تعالى والبعدَ صفةُ العبد ؛ فلا
يَقرُبُ العبد من الله في أي وقت كان ، لكن يزول حجاب الغفلة عن قلبه فيرى بإيمانه
أن ربه قريب منه ، كما قال الله تعالى : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) ، ما
قال عبدي قريب بل قال إني قريب .
فإذا زال هذا الحجاب عن قلب العبد بإيمانه ، وهو يحاول ظاهراً تطبيقَ الشرع الشريف
، وباطناً التمسكَ بآداب الطريق ، ويذكر الله كثيراً ، ويقرأ القرآن الكريم ويطبِّق
الأوصاف التي وصف الله تعالى عباده بها ، حينذاك يكون ظاهرُه بشراً وباطنُه هيكلاً
نورانياً مَلَكياً ، وتثبت في قلبه الخشيـة ؛ فإذا حصلت الخشية يظهر الخشـوع على
الجـوارح ، ولا يلتفت إلى أي إنسان ، إلا إلى شيخَه ، فإنه يُرجِّحه على نفسه وعلى
ماله وعلى مُلكه ، لأنه واسطة بينه وبين الله تعالى وبينه وبين رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، أما غيره فلا يلتفت إلى مدحهم ولا إلى ذمهم ويستوحش منهم جميعاً .
وفي هذه الأثناء إذا حصل له بعض الكشوفات أو الكرامات أو الواقعات لا يلتفت إليهـا
أصلاً ، لأنه يطلب رضا الله ، لا يعبد الكشف والمنام والواقعات .
الذي يطلبه منه خالقه جل وعلا هو العبدية ، وفي ضمن تلك العبديةِ العبوديةُ
والتمسكُ بالشريعة ـ كما أسلفنا ـ ، والتمسكُ بالسنَّة النبوية ، والإخلاص في
العبادة .
وبهذا يتدرَّج ويذهب ، فإذا بدا له شيء من الاعوجاج والانحراف الذي يحصل بالطبيعة
البشرية من الملل أو من الكسل يشكو ذلك إلى شيخه ، فإذا قال له شيئاً يتمسك به
ويذهب .
وبعد هذا تحصل له حلاوة العبادة ، خصوصاً حلاوة معراج المؤمنين ، وهي الصلاة ؛ فإذا
جاء وقت المعراج يصلي على وفق الشريعة مع السنن ، ثم ينتظر بروحه وبقلبه المعراج
الثاني .
وإذا حصلت له محبة العبادة لا يلتفت إلى الناس ؛ فمنهم من يقول : هذا مجنون ، ومنهم
من يقول : هذا ترك دنياه . لا يلتفت إليهم لأن الناس أغلبهم مُغمَى عليهم وأكثرهم
عُمْيٌ .
لذا ! لا تتَّبعِ الناس . كلما تتجنَّب الناس وتستوحش منهم تُحَبَّب إليك العبادة
ويُرَقَّق الحجاب بينك وبين ربك بسبب الإيمان ، حتى يَثبت لك قرب الله تعالى : (
وهو معكم أينما كنتم ) .
وإذا حصلت لك بعض الكشوفات ـ كما أسلفنا ـ لا تتَّبعها ، وفِرَّ منها كما تَفِرُّ
من الأسد .
وإذا خَدعَتك نفسُك فقالت لك بصورة المدح : أنت هكذا .. هكذا .. هكذا .. احذر من
نصيحتها ، لأن نصيحتها سُمٌّ قـاتل ؛ لا تَنصحُ إلا بما فيه ظُلمةٌ ومُخالَفةٌ لأمر
الله جل وعلا.
من السالكين من لا تحصل له هذه الأمور ، مع صدقه في قصده ومراده ، فهذا حاله أفضل ،
لأنه يبقى سليماً من العجب والكبر والرياء والسمعة والشهرة .
ولا يُقال : إني جاهدت نفسي ولم يحصل لي شيء ، لأن ما يحصل من الكشوفات وغيرها ليس
أفضل من مجاهدة النفس . هذا هو المقصود من قوله تعالى : ( والذين جاهدوا فينا
لنهدينهم سبلنا ) .
من خالف هذا وتعلَّق بما يحصل من الصفاء يَبعد عن خالقه .
هذا هو طريق الحق لطالب الحق ، لا كما نرى : هذا يركض وراء المشيخة ، وهذا يركض
وراء الإمارة ، وهذا يركض وراء قول شيخه له هكذا .. هكذا . فالكل من الله ، ولا يصل
للمريد شيء إلا من الله تعالى ، وإلا بواسطة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ،
وبواسطة الشيخ المربّي الذي َربّاه مرشد مأذون ، وهكذا بالتسلسل إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم . فلا يُعطى شيء للمدّعي بدعواه .
إني أُحب لعباد الله أن يصلوا إلى الحق على مُراد الحق وطلب الحق ، لا على طلبهم
ومُرادهم.
مُرادُ الحق من العبدِ العبوديةُ .
|
|
 |
 |
 |
|
|
|